أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

288

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

و « شعيب » هنا بغير فاء ، والأصل الفاء ، وإنما حذفت تخفيفا وتوسعا ، واكتفاء بالربط المعنوي ، وكانت الثواني فما بعدها بالحذف أولى . وأما في هود فيقدر قبل قوله : « إِنِّي لَكُمْ » * : فقال بالفاء على الأصل . وجاء هنا « ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ » فلم تعطف هذه الجملة المنفية بفاء ولا غيرها ، لأنها مبينة ومنبهة على اختصاص اللّه تعالى بالعبادة ، ورفض ما سواه ، فكانت في غاية الاتصال . وقال ابن عطية : « وقرأ ابن عامر : الملو . بواو ، وهي كذلك في مصاحف الشام . وهذه القراءة ليست مشهورة عنه قوله : « لَنَراكَ » يجوز أن تكون القلبية ، فتتعدى لاثنين ، ثانيهما « فِي ضَلالٍ » ، وأن تكون البصرية ، وليس بظاهر ، فالجار حال ، وجعل الضلال ظرفا له مبالغة في وصفهم له بذلك ، وزادوا في المبالغة بأن أكدوا ذلك بأن صدروا الجملة ب « إنّ » وفي خبرها اللام . وقوله : لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ . من أحسن الرد وأبلغه ، لأنه نفى أن تلتبس به ضلالة واحدة ، فضلا عن أن يحيط به الضلال ، ولو قال : لست ضالا ، لم يؤد هذا المؤدى . وقوله : « وَلكِنِّي » جاءت « لكن » هنا أحسن مجيء ، لأنها بين نقيضين ، لأن الإنسان يخلو من أحد شيئين : ضلال وهدى ، والرسالة لا تجامع الضلال . و « مِنْ رَبِّ » صفة ل « رَسُولٌ » ، و « مِنْ » لابتداء الغاية المجازية . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 62 إلى 69 ] أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 62 ) أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 63 ) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ ( 64 ) وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 65 ) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 66 ) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 67 ) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ ( 68 ) أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 69 ) وقوله : أُبَلِّغُكُمْ . يجوز أن تكون جملة مستأنفة ، أتى بها لبيان كونه رسولا ، ويجوز أن تكون صفة ل « رَسُولٌ » ، ولكنه راعى الضمير السابق الذي للمتكلم ، فقال : « أُبَلِّغُكُمْ » . ولو راعى الاسم الظاهر بعده لقال : « يبلّغكم » ، والاستعمالان جائزان في كل اسم ظاهر ، سبقه ضمير حاضر من متكلم أو مخاطب ، فيجوز لك فيه وجهان : مراعاة الضمير السابق ، وهو الأكثر .